الشيخ محمد رشيد رضا

177

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شيئا من أعمالكم بل تحاسبون وتجازون عليها في الدنيا والآخرة ، وهو يحاسب الناس كلهم يوم القيامة في وقت واحد ، فأجدر بحسابه ان يكون سريعا ، وقد تقدم تفسير هذه الجملة في سورة البقرة فليرجع اليه من شاء * * * ثم قال عز وجل الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ للاتصال بين هذه الآية وما قبلها مناسبة غير سرد أحكام الطعام ، وبيان أحكام الحلال والحرام ، وهي ان سبب مشروعية التذكية التفصي من أكل المشركين للميتة ، وسبب التشديد في التسمية على الطعام من صيد وذبيحة هو إبعاد المسلمين عما كان عليه المشركون من الذبح لغير اللّه تعالى بالاهلال به لأصنامهم أو وضعها على النصب ، واستبدال اسم اللّه وحده بتلك الأسماء التي سموها هم وآباؤهم ما أنزل اللّه بها من سلطان ، ليطهرهم من كل ما كانوا عليه من أدران الشرك . ولما كان أهل الكتاب في الأصل أهل توحيد ثم سرت إليهم نزغات الشرك ممن دخل في دينهم من المشركين ولم يشددوا في الفصل بينهم وبين ماضيهم ، وكان هذا مظنة التشديد في مواكلة أهل الكتاب ومناكحتهم ، كما شدد في أكل ذبائح مشركي العرب ونكاح نسائهم ، بين اللّه لنا في هذه الآية أن لا نعامل أهل الكتاب معاملة المشركين في ذلك فأحل لنا مؤاكلتهم ونكاح نسائهم . وقد يستشكل إحلال الطيبات في ذلك اليوم على القول بأن المراد به يوم عرفة سنة حجة الوداع فان حلها ذكر في بعض السور المكية كالاعراف . ويجاب بأن المراد انها كانت حلالا بالاجمال فلما حرم اللّه يوم انزال هذه السورة أنواع الخبائث التي تدخل في عموم الميتة كما تقدم في الآية السابقة وكانت العرب تستحلها ، ونفي تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي من طيبات الانعام وكانت العرب تحرمها ، صار حل الطيبات مفصلا تمام التفصيل وحكمه مستقرا دائما ، فهذا هو المراد بالنص ، وقيل إنه تمهيد لما بعده وفسر الجمهور الطعام هنا بالذبائح أو اللحوم لان غيرها حلال بقاعدة أصل الحل ولم تحرم من المشركين والا فالظاهر أنه عام يشملها . ومذهب الشيعة ان المراد بالطعام « تفسير القرآن » « 23 » « الجزء السادس »